الأمير الحسين بن بدر الدين
21
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
العقل أن دفع الضرر عن النفس واجب إذا كان المدفوع به دون المدفوع « 1 » ؛ فإن العقلاء يسارعون إلى الفصد والحجامة « 2 » ليدفعوا بهما « 3 » مضارّ هي أعظم منها « 4 » . وسواء كان الضرر مظنونا أو معلوما ؛ فإنه لا فرق عند العقلاء بين أن يخبرهم مخبر ظاهره العدالة بأنّ في الطعام سمّا ، وبين أن يشاهدوه في أنه يجب عليهم اجتنابه في الحالين جميعا - وإن كان خبر الواحد يقتضي الظن ، والمشاهدة توجب العلم - فثبت بذلك أن العلم بالثواب والعقاب واجب . فإن قيل : ولم قلتم بأن العلم بهما لا يتم من دون العلم بهذه المعارف ؟ ، قلنا : لأنّ العلم بالثواب والعقاب فرع على العلم بالمثيب والمعاقب ، وعلى كونه قادرا على الثواب والعقاب ، وعالما بمقاديرهما وبكيفية إيصالهما إلى مستحقّهما « 5 » ، وعلى جميع هذه المعارف ( المعبّر عنها بأصول الدين ) ؛ فإذا كان العلم بالثواب والعقاب واجبا بما تقدم تحقيقه - وهو لا يتم إلا بمعرفة اللّه تعالى وبسائر هذه المعارف - كانت واجبة لوجوبه ؛ لما نعلمه من مقدّمات قضاء الدّين ، وردّ الوديعة ؛ فإنها واجبة لمّا لم يتم الواجب إلّا بها ، وقد شاركتها هذه المعارف في أنه لا يتم الواجب إلا بها ، فيجب أن تشاركها في الوجوب ، لأن الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم ، وإلّا عاد
--> ( 1 ) يريد أن دفع الهلاك يجوز إذا حصل بضرر أقل . أما دفع الهلاك عن النفس بإهلاك نفس أخرى فلا يجوز . ( 2 ) معالجة قديمة لإخراج الدم عندما يتبيّغ بصاحبه . ( 3 ) في ( ب ) : بها . ( 4 ) الضمير عائد إلى الفصد والحجامة . والمعنى أن الفصد والحجامة مضرّان ؛ لكنهما دفعا مضرة أكبر ، وهي تبيّغ الدم وبثر الفم . ( 5 ) في ( ب ) : إلى مستحقيهما .